ابن رشد
131
تهافت التهافت
ولازم للترتيب الذي في تلك العقول المفارقة ، وأما الترتيب الذي في العقل الذي فينا ، فإنما هو تابع لما يدركه من ترتيب الموجودات ونظامها ، ولذلك كان ناقصا جدا ، لأن كثيرا من الترتيب والنظام الذي في الموجودات لا يدركه العقل الذي فينا . فإذا كان ذلك كذلك فلصور الموجودات المحسوسة مراتب في الوجود أخسها وجودها في المواد ، ثم وجودها في العقل الإنساني ، أشرف من وجودها في المواد ، ثم وجودها في العقول المفارقة أشرف من وجودها في العقل الإنساني ، ثم لها أيضا في تلك العقول مراتب متفاضلة في الوجود بحسب تفاضل تلك العقول في أنفسها . ولما نظروا أيضا إلى الجرم السماوي ورأوا في الحقيقة جسما واحدا شبيها بالحيوان الواحد له حركة واحدة كلية شبيهة بحركة الحيوان الكلية وهي نقلته بجميع جسده ، وهذه الحركة هي الحركة اليومية ، ورأوا أن سائر الأجرام السماوية وحركاتها الجزئية شبيهة بأعضاء الحيوان الواحد الجزئية وحركاتها الجزئية ، فاعتقدوا لمكان ارتباط هذه الأجسام بعضها ببعض ، ورجوعها إلى جسم واحد ، وغاية واحدة ، وتعاونها على فعل واحد وهو العالم بأسره ، أنها ترجع إلى مبدأ واحد ، كالحال في الصنائع الكثيرة التي تؤم مصنوعا واحدا ، فإنها ترجع إلى صناعة واحدة رئيسة . فاعتقدوا لمكان هذا ، أن تلك المبادي المفارقة ترجع إلى مبدأ واحد مفارق هو السبب في جميعها ، وأن الصور التي في هذا المبدأ والنظام والترتيب الذي فيه هو أفضل الوجودات التي للصور والنظام والترتيب الذي في جميع الموجودات ، وأن هذا النظام والترتيب هو السبب في سائر النظامات والترتيبات التي فيما دونه ، وأن العقول تتفاضل في ذلك بحسب حالها منه في القرب والبعد . والأول عندهم لا يعقل إلا ذاته ، وهو بعقله ذاته يعقل جميع الموجودات بأفضل وجود ، وأفضل ترتيب ، وأفضل نظام ، وما دونه فجوهره إنما هو بحسب ما يعقله من الصور والترتيب والنظام الذي في العقل الأول ، وأن تفاضلها إنما هو في تفاضلها في هذا المعنى ، ولزم على هذا عندهم أن لا يكون الأقل شرفا يعقل من الأشرف من نفسه ، ولا الأشرف يعقل ما يعقل الأقل شرفا من ذاته ؛ أعني أن يكون ما يعقل كل واحد منهما من الموجودات في مرتبة واحدة ، لأنه لو كان ذلك كذلك ، لكانا متحدين ، ولم يكونا متعددين ، فمن هذه الجهة قالوا :